Thursday, May 13, 2010

Shutter Island

شاتر آيلاند

غيث عمر

يعود المخرج الشهير "مارتن سكورسيزي" في عام 2010 لنا بفيلم "shutter island"، بعد أن حاز منذ 3 سنوات على جائزة أوسكار - تأخرت عقوداً عديدة، بشهادة الكثيرين- عندما ترشح لها للمرة السابعة.

المخرج الأمريكي الذي عاش في نيويورك وصنع معظم أفلامه في أجواءها، كان قد قدم للسينما الأمريكية عدة أفلام هامة، ربما أفضلها الفيلم الصادم والمثير للجدل "سائق التكسي" الذي كان عبارة عن نقد شديد لبذاءة المجتمع الأمريكي في السبعينات، وحالة الفساد المستشري فيه من دعارة وفساد سياسي، وقدم بعده أفلاماً أخرى هامة، مثل "رفاق طيبون"و "الثور الهائج" و"ملك الكوميديا" و"عصابات نيويورك".

فيلمه الأخير "شاتر آيلاند" جاء من بطولة الممثل "ليوناردو دي كابريو" الذي بات وجهاً مألوفاً في أفلام "مارتن سكورسيزي" في العقد المنصرم، بالإضافة إلى نخبة من الممثلين المساندين مثل "بين كينجسلي" و"ماكس فان سيدو"، فأفلامه في العادة تتمحور حول بطل ذكر في عالم ذكوري، بينما تلعب المرأة دوراً ثانوياً رغم أن تأثيرها على الأحداث هام ومباشر في أحيان كثيرة.

تدور أحداث الفيلم في خمسينات القرن الماضي، على جزيرة منعزلة لا تحوي إلا سجناً\مصحة عقلية للسجناء الخطرين المضطربين نفسياً، حيث تقدم لهم هذه المصحة علاجاً نفسياً في ظل حراسة مشددة لا توجد إلا في السجون. إلى هذه الجزيرة يصل المحقق المارشال "ادوارد دانيال" (الممثل دي كابريو) مع شريكه الجديد "تشاك" ليحققوا في قضية اختفاء امرأة –سجنت لقتلها أطفالها الثلاثة بدم بارد- من غرفتها دون أثر، في ظروف عجيبة. فالغرفة محكمة الإغلاق، والمرأة اختفت حافية القدمين في جزيرة منعزلة لا سبيل منها واليها إلا البحر، والحرس لم يتركوا بقعة في الجزيرة دون تفتيش.

مع تقدم أحداث الفيلم نرى البطل يتذكر في "فلاش باك" أيام كان جندياً أمريكياً يحارب في ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية ويمشي في شوارعها بين عشرات الجثث التي كانت ضحايا قسوة النازيين، ولكن الفيلم لا يمجد الجنود الأمريكيين، فالمخرج المناهض للحرب يرينا مشهدا لاحقاً يقوم الجنود الأمريكيون فيه باعدام عشرات الجنود الألمان -الذين استسلموا ورموا أسلحتهم- بمنتهى الوحشية.

من خلال تعامل المحقق مع العديد من موظفي المصحة يبدو واضحاً أنهم جميعاً يخفون شيئاً عنه، وأنهم ليسوا مستعدين للتعاون لكشف القضية التي يبدو أنها أكبر مما تبدو. ونكتشف السبب حينما يخبر المحقق زميله أنه طلب أن يعمل على هذه القضية بالذات لأنه أمضى عدة أشهر في جمع معلومات عن هذا المكان، ويعرف أن المكان في الحقيقة تابع لقسم مسؤول عن محاربة الشيوعية، وأن المصحة تجري تجارب على البشر (الاشتراكيين إن أمكن) في مجالات طبية، شبيهة بتجارب النازيين على اليهود، وأنه جاء إلى هذا المكان ليكشف فساد حكومته التي استعملت جنودها لتحارب دولاً هي ليست أقل عنصرية أو قسوة منها.

اذن المكان ليس مجرد مصحة للمضطربين، بل حقل تجارب لعمليات جراحية غير شرعية على الدماغ والأعصاب، وأدوية تسبب الهلوسة ولغسيل الدماغ، وتتأكد شكوك المحقق بعد أن يكتشف أن المرأة التي اختفت هي في الحقيقة طبيبة سابقة في المصحة، لم تكن توافق على الأساليب الهمجية وعلى فئران التجارب البشرية، فحاولوا قتلها فهربت.

هنا تبداً قصة الفيلم والتي كانت متماسكة في البداية، في التفكك، ويسأل المشاهد عدة أسئلة عن أهداف الشخصيات وتصرفاتهم، وعند نهاية الفيلم، تتخذ القصة منعطفاً حاداً، يبين أن المحقق ما هو إلا محقق سابق وأنه الآن مريض في هذه المصحة، وأن جميع الأطباء والموظفين كانوا جزءاً من لعبة أدوار قاموا بها جميعاً ليعيش المحقق في العالم الذي بناه في خياله، عله يشفى من تلك الأوهام التي صنعها خياله ليبرر وجوده في تلك المصحة ، لينهار هنا البناء القصصي تماماً، تاركاً المشاهداً في حيرة من أمره، هل اختار المؤلف هذه النهاية ليفاجئ المشاهد وحسب، متناسياً المنطق والحبكة، أم أنه لم يستطع أن يجد نهاية مناسبة للقصة التي بناها على مدار أول ساعة ونصف؟

على كل نهاية الفيلم جاءت على غرار الكثير من أفلام الإثارة والغموض الأمريكية مؤخراً وخصوصاً منذ منتصف التسعينات، والتي تعتمد على نهاية رخيصة تفاجئ المتفرج، فيخرج الساذج أو قليل الخبرة من الفيلم مذهولا من تلك المفاجئة، ويخرج المتفرج الجدي حانقاً على من استهان بذكائه. المختلف هنا أن الفيلم كان مبنياً على بداية قوية نوعاً ما، فظننت أنها ستكون رحلة رجل يحاول أن يصالح ماضيه القذر في الحرب عن طريق فضح فساد حكومته، بل وبدا أنه ربما يسقط حروب الولايات المتحدة الحالية وقضايا مثل أبو غريب أو غوانتانامو على الواقع عن طريق ذكره للخوف من الشيوعيين في خمسينات القرن الماضي، لكنه ألغى كل هذا بنهايته الغريبة.

المخرج له تاريخ مشرف، والفيلم رغم نهايته المفاجئة جاء متقناً فنياً، فالكاميرا كانت ذكية، فبقيت على مسافة مناسبة من الشخوص، وأطرتهم بشكل مناسب وكانت حركتها تزيد في توتر المشهد أو هدوئه حسب الحاجة، ورغم أن المخرج قام بدمج اللقطات في المونتاج على نحو جعل المشاهد يحس أن الكاميرا تقفز قفزاً من زاوية إلى أخرى، لكن هذا الأسلوب لم يكن غريباً بشكل يزعج بصرياً، بل كان ممتعاً بدرجة كبيرة واستعمل باعتدال.

ووظف المخرج الموسيقى التصويرية بشكل مثير للاعجاب، فرفعت أداء الفيلم بمجمله وكانت تعلو وتهبط في الوقت المناسب لتزيد التأثير الدرامي وتعززه. فالفيلم جاء ممتعا فنياً وضعيفاً من ناحية النص والحبكة، فكما قال أحد النقاد عنه "لو أنني استطعت نزع عقلي، لاستمعت عيناي وأذناي بالفيلم".

Thursday, March 18, 2010

خزانة الألم

ما تزال الحرب الأمريكية على العراق موضوعاً ساخناً، ولا تزال السينما الأمريكية تعالج الحرب والاحتلال من زوايا عدة، رغم عزوف المشاهد الأمريكي عن هذه الأفلام التي ما يزال معظمها ضعيفاً من نواحٍ فنية. فيلم "خزانة الألم" -والذي تم انتاجه في عام 2008 وحاز على جائزة أوسكار أفضل فيلم منذ عدة أيام- لا يتميز عن هذه الأفلام إلا بأنه ابتعد عن السياسة وحاول الخوض –ربما- في قصص بطولية لأفراد.
الفيلم يتابع ثلاثة أفراد يعملون في وحدة في الجيش الأمريكي تتخصص بتفكيك أو تفجير القنابل المصنوعة منزلياً، والتي يزرعها "ارهابيون" -لا يناقش الفيلم أصولهم أو توجهاتهم أو أهدافهم- في جميع أنحاء بغداد. هناك الشاب صغير السن "إلدريدج" الخائف والمتوتر دائماً، خصوصاً بعد أن تسبب تردده بمقتل الرقيب\الفني قائد وحدته السابق في بداية الفيلم. وهناك الرقيب المستعد دائماً "سانبورن" والذي يعمل بشكل احترافي ويتبع الأصول، مما يجعله على خلاف دائم مع الرقيب\الفني الجديد "جايمس" والذي يتصرف بشكل عشوائي ضارباً بالقواعد عرض الحائط، والذي سنكتشف لاحقاً خلال الفيلم أنه مدمن على الحرب والخطر، فهو يتعمد أن يورط نفسه –ووحدته أحيانا- في مواقف خطرة.
الفيلم لا يناقش سبب وجود هؤلاء الجنود في العراق، ولا يسمح لهم بالتشكيك في ذلك، فحتى في نهاية الفيلم عندما يشعر "سانبورن" باليأس ويعبر عن كرهه للمكان، فهو لا يشكك بسبب الحرب وأنه موجود لإرضاء طمع أفراد في حكومته، ربما لأن المشاهد الأمريكي تعب من سماع هذه الأسطوانة، وإشفاقاً من أن يغرقه في كره الذات. لكن على المشاهد أن يسلم بأن الجنود موجودون في العراق، حيث الكل عدو محتمل، وكل كبير وصغير ورجل وامرأة قد يكون قنبلة موقوتة، أو ارهابياً يريد أن يفجر الجميع. فالارهابيون يفجرون قنابلهم في الشوارع والحواري والمدارس دون تمييز، وقلة من يقاتلون جنود الاحتلال وجهاً لوجه.


البطل الأمريكي يوقف عراقياً


قد يصعب في الحقيقة إدراج الفيلم في خانة نوع معين، فهو ليس درامياً خالصاً، وليس فيلم آكشن أيضاً، بل يحتوي على مزيج من الاثنين بالاضافة إلى الكثير من الاثارة والتشويق، فهو يحتوي على تفجيرات عدة، وتبادل لاطلاق النار بين الجنود وأعداء مجهولين يظهرون فجأة في منتصف الصحراء أحياناً في مشهد طويل لا داعٍ له. إذن هو لا يتابع معاناة أفراد في حرب لا تنفعهم، بل قصصاً عن بطولة الجنود المحاطين بالخطر من كل صوب.
السيء في الفيلم هو ضعف البناء القصصي فيه، فقد جاء النص ضعيفاً وغير متماسك، ويحتوي العديد من الأجزاء غير المفهومة والتي لا يستطيع المشاهد أن يربطها ببعضها، ففي أحد المشاهد في بداية الفيلم يتم اخلاء المنطقة من الناس لشك الجنود بوجود قنبلة، وبعد أن يقترب "جايمس" من القنبلة مرتدياً البذلة المقاومة للانفجارات ينطلق سائق تكسي عراقي وسط الجنود بسيارته دون سبب مفهوم، ويوقفه "جايمس" بمسدسه وقسوته، ليمنعه من التقدم –لا ندري إلى أين- ويجبره على التراجع، هل الهدف من هذا المشهد هو التأكيد على قوة وشجاعة "جايمس"؟ أم التفوق الأمريكي ككل؟ وفي مشهد آخر، نرى "جايمس" يبحث عن من قتل صديقه الطفل العراقي الذي يبيعه أفلاماً مقرصنة، فيدخل منزلاً ليجد فيه بروفيسوراً عراقياً اسمه "نافيد" لا ندري ما علاقته بالطفل، ولكنه يرحب به قائلاً أنه سعيد بأن أحد أفراد ال"سي آي إيه" هو ضيف في منزله، وفجأة تخرج زوجته لتطرد الجندي صارخةً عليه بالعربية.



جندي يتحدث إلى عراقيين في الشارع، فجأة نكتشف أنهم كانوا يزرعون قنابل، كأن الشعب العراقي كله يزرع المتفجرات


استعملت المخرجة "كاثرين بيجلو" كاميرات محمولة باليد لزيادة الاثارة، وتعمدت أن تجعل التصوير مهزوزاً بشكل كبير ربما ليحس المشاهد أنه موجود في الحدث ولتساعده على الاندماج مع الشخصيات ولكن ذلك كان أدى إلى نتيجة عكسية، بالاضافة إلى الكثير من "الزوم إن" و"الزوم أوت" حتى في لحظات عاطفية، مما قتل أي تماسك بين اللقطات التي جاء في منتهى القصر، وساهم المونتاج في زيادة الإثارة بتقطيع المشاهد إلى لقطات تنتقل عبر المكان في قفزات مزعجة بصرياً، وجاءت كثير من اللقطات خالية من المحتوى، فلا تركز على عنصر مهم بذاته، بل تتحرك دون هدف.
موسيقى الفيلم لم تكن إلا عنصراً ساعد على تصعيد الموقف لزيادة الإثارة، فقد كانت قليلة ومتباعدة، وتم استعمال معظمها في المشاهد التي كان البطل ينزع فتيل قنبلة أو يقاتل أعدائه فيها.
باختصار الفيلم يروي قصة بطل واحد بشكل أساسي، حيث أنه فاشل في حياته الاجتماعية، ولكنه جيد في عمله، وهو مدمن على الخطر، فلا بد أن يأخذ جرعته منه في كل مهمة. يعكس الفيلم نظرة المخرجة للعراقيين حيث نراهم في الفيلم اما إرهابيين يزرعون الدمار في كل مكان دونما هدف، ليقتلوا المدنيين كيفما اتفق، أو نراهم سلبيين يتفرجون من بعيد، ويراقبون الجنود الأمريكيين الذين يخاطرون بحياتهم لجعل العراق أكثر أماناً، وربما يشفع للفيلم في هذا أنه أصلاً لم يركّز إلا على ثلاث شخصيات فقط وهمش باقي الأدوار. النتيجة النهائية أن الفيلم لم يحمل مغزىً معيناً ولم يحو فكرة يريد ايصالها، فلا هو تحدث عن حرب العراق سياسياً، ولا هو عبر عن معاناة جنود يخوضون حرباً لإثراء رؤسائهم، ولا هو اقترب من الشعب العراقي الذي استبيحت أرضه ونهبت ثرواته ودمّرت آثاره، ولا جاء الفيلم معالجة عميقة لشخص أدمن الخطر والحرب فشخص حالته أو شرح سببها، رغم أن الفيلم بدأ باقتباس مقاده أن "الحرب مخدر يسبب الادمان".
حصد الفيلم ست جوائز في الأوسكار، ففازت مخرجة الفيلم "كاثرين بيجلو" بجائزة أفضل مخرج، وفاز فريق المونتاج بجائزة أفضل مونتاج، وفاز مؤلف النص الصحفي "مارك بول" والذي كان قد رافق فرقة لتفكيك القنابل في العراق (ومع ذلك كان نصه مليئاً بأخطاء فادحة من هذه الناحية) بجائزة أفضل نص وفاز الفيلم بأوسكار أفضل فيلم رغم ضعفه الفني من عدة زوايا، مما يعيد يطرح سؤال يتردد منذ سنوات بين مثقفين عن مدى أهمية جوائز الأوسكار التي تعتبر أشهر جوائز السينما العالمية –وليست أهمها اطلاقاً- والتي تمنح في العادة لأفلام تجارية بالدرجة الأولى.